في لحظات الألم الحاد، تخفت الكلمات وتفقد المعاني أوزانها. وكثيرًا ما يبدو الله صامتًا، أو بعيدًا، أو حتى غائبًا. أمام سرّ الموت، لا تسعفنا العبارات الجاهزة ولا تعزيات العادة. وحده الحزن الصادق يعلّمنا أن الألم ليس مشكلة يجب حلّها. فهو سرّ يجب أن نعيشه. وهنا، تبدأ أنظار الإيمان في الالتفات إلى المسيح.
المسيح لا يقف بعيدًا عن صراخنا، فهو جاء بنفسه ليصرخ من عمق الجراح: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟». وهذه ليست كلمات شكّ، إنّما كلمات مشاركة. لم يأتِ المسيح ليُعفينا من الألم، بل ليكون معنا فيه، ليحمله معنا، لا بل بالأحرى ليحمله قبلنا.
حين نبكي على قبور أحبائنا، هو يبكي معنا. لقد بكى عند قبر لعازر، مع أنه كان يعلم أنه سيُقيمه. لم يُلغِ المسيح مشاعر الحزن. قدّسها. لم يُقصِّر طريق الصليب. سلكه حتى نهايته. وهو لم ينتصر على الموت بتجاهله. دخل فيه ومزّق ستاره من الداخل.
لا يعزلنا الإيمان عن المعاناة، لكنّه يمنحنا رفيقًا فيها: يسوع، «رجل الأوجاع ومختبر الحزن». إن حضور المسيح في الألم لا نحسبه فكرة عُلوية نُقنع بها أنفسنا.
نحن نراه هو نبض فداء، وحقيقة مصلوبة ثم قائمة.
لذلك، حين نعجز عن إيجاد سبب للألم، يمكننا على الأقل أن نجد فيه حضورًا: حضور مَن يعرف تمامًا ما معنى الانسحاق، والخوف، والانفصال، والموت. وهذا الحضور لا يُلغِي وجعنا، لكنه يمنحه معنى، ويزرع في منتصف الظلمة بذرة رجاء.
فالموت، رغم قسوته, لم يعد النهاية. الألم، رغم ثقله، لم يعد بلا رفقة. لأننا نعلم أن القائم من بين الأموات ما زال يحمل في يديه آثار المسامير، ليُريَنا أن الجراح تُشفى، وأن الحب أقوى من الموت.
التعزية الحقيقية لا تمحو الحزن، بل تعطيه عمقًا. لا تقول: «لا تبكِ»، بل تقول: «يسوع بكى، فابكِ معه، لكن لا تفقد الرجاء».
التعزية الحقيقيّة لا تقول: «كل شيء سيكون بخير» بالمعنى العابر. تقول: «سيأتي يوم، سيجعل الله كل شيء جديدًا».
التعزية لا تفرض عليك أن تبتسم. تدعوك لتؤمن بأن هناك صباحًا بعد هذا الليل، وإن لم تره الآن.
في حضرة الموت، ليس المطلوب أن «نكون أقوياء». المطلوب أن نكون صادقين. نُعانق الألم، ونسير فيه، لكن لا وحدنا.
هناك من يسير معنا، يسوع الذي عرف الحزن، وسكب الدموع، وذُبح عنّا، ثم قام من الموت.
فيه، صار الألم مكانًا للرجاء، والموت طريقًا إلى الحياة، والغربة بوابةً إلى البيت.
وإلى أن نلتقي من نحب، وجوهنا إلى الصليب، وقلوبنا تنتظر القيامة.