لمحة تاريخيّة
تقف في قلب برمانا رعية القدّيس جاورجيوس شاهدًا على إيمان أرثوذكسيّ يمتدّ لعقود، صنعه أناس آمنوا وصلّوا وربّوا أجيالًا على الإيمان والمحبّة والرجاء.
أقدم أثر موثّق هو لوحة فوق مدخل كنيسة مار شعيا الأثريّة تشير إلى تحويل القلعة إلى كنيسة عام 1560، وهو ما يؤكّد أنّ الجذور أقدم من هذا التاريخ بكثير. ثم بُنيت كنيسة القدّيس جاورجيوس في القرن التاسع عشر، وهُدمت عام 1962 ليُقام مكانها كنيسة القدّيس جاورجيوس الجديدة.
لكنّ جوهر الرعية ليس في الأبنية، بل في الإنسان. كانت الكنيسة بيتًا للجميع: وقفت إلى جانب العائلات، وساعدت المحتاجين، ورافقت المرضى، وشاركت في الأفراح والأحزان. وقد أولت التعليم والتنشئة الروحية أهمية كبرى، عبر الأنشطة والتجمعات التي قرّبت الأطفال والشباب من الإيمان ورسّخت فيهم معنى الانتماء.
من مار شعيا إلى القديس جاورجيوس، يمتدّ إرث من الصمود والخدمة. والأهم من الكنائس والأجراس، هو الأجيال التي حملت الإيمان واستمرت في خدمته.
واليوم، تقع علينا مسؤولية حفظ الإنسان والإيمان وروح الجماعة، وبناء رعية تكون للطفل فرصة، وللشاب أفقًا، وللعائلة سندًا، وللمحتاج أخًا.
فأجمل إرث نتركه ليس حجرًا، إنما إنسانًا مؤمنًا ومحبًّا ومسؤولًا، يحمل شعلة الإيمان من الماضي إلى أجيال لم تولد بعد.
جداريات الأب القدّيس صوفيان بوغيو
جداريات الأب القدّيس صوفيان بوغيو التي تركها لنا في كنيسة القدّيس جاورجيوس في برمّانا، جبل لبنان، تحمل في طياتها رسائل روحيّة عميقة، تتخطّى الفن البصري إلى تجسيد المعاني الإيمانيّة الحقيقيّة التي تحاكي روح الكنيسة الأرثوذكسيّة. ألوانها الهادئة تعكس طابعاً روحيّاً رقيقاً، فلا تكمن قوّتها في كثافة الألوان أو في تعقيدها، بل في عمق المعاني التي تنبض بها، وفي البساطة التي تلامس القلب وتفتح أبواب التأمّل الروحي.
ترتيب هذه الجداريات ليس عشوائيّاً، بل هو ترتيب يعكس رحلة الإيمان الأرثوذكسي، حيث يبدأ الزائر للكنيسة بتأمّل «ضيافة إبراهيم»، تلك الجداريّة التي تعدّ رمزاً للثالوث الأقدس، والتي تشكّل نقطة البداية لمفهوم الإيمان في الكنيسة. فالإيمان الأرثوذكسي يبدأ وينتهي في الثالوث المقدّس، حيث الآب والابن والروح القدس هم مصدر كلّ حياة، وهو العمود الذي يرتكز عليه كلّ شيء في الكنيسة. هذه البداية هي في جوهرها دعوة للغوص في أعماق السر الإلهي، حيث لا يمكن فهم الإيمان الحقيقي دون فهم هذه العلاقة المتشابكة بين الأقانيم الثلاثة.
بعد «ضيافة إبراهيم»، تتوالى الجداريات التي تروي قصّة الخلاص في العهد الجديد، بداية من «البشارة» حيث بشّر الملاك العذراء مريم بحلول كلمة الله في أحشائها، مروراً بميلاد الرب يسوع في مغارة بيت لحم، ثمّ العماد، وصولاً إلى العنصرة التي فيها حلّ الروح القدس على التلاميذ في علّية صهيون، مشعلاً فيهم نار الإيمان والمثابرة لنقل رسالة الخلاص إلى العالم.
لكن هناك جداريّة تبرز بين هذه الجداريات وتكسر هذا التسلسل التقليدي: جداريّة «إكثار الخبز» أو «إطعام الجائعين». هذه الجداريّة، التي تقع فوق الباب الغربي للكنيسة، تواجه الداخل إليها من حيث يخرج الكأس المقدّس. هذا الموقع ليس مصادفة، بل هو تعبير عن رسالة عميقة أراد الأب القدّيس صوفيان بوغيو إيصالها للكنيسة وللزوار الذين يمرّون من هذا المدخل.
لقد قصد الأب القدّيس أن يقول لنا: لا يمكننا أن ندرك حقيقة المسيح في السر المقدّس، في الكأس المقدّسة، إذا لم نره أوّلاً في الجائعين والمحتاجين. إنّها دعوة صريحة إلى أنّنا إن أردنا أن نلتقي بالمسيح في ذبيحة الإفخارستيا، علينا أوّلاً أن نراه في وجه الفقير والمحروم. فكما يقول القدّيس يوحنّا الذهبي الفم: «إن أردت أن ترى المسيح في الكأس المقدّسة، فعليك أوّلاً أن تراه في الجائع والمحتاج». هذه الكلمات تجسّد فكر الكنيسة الأرثوذكسيّة، التي لا تفصل بين العبادة لله والاهتمام بالإنسانيّة. فمن خلال خدمة المحتاجين، نكون قد التمسنا وجه المسيح، الذي قال لنا: «كلّ ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فبي فعلتموه».
جداريّة «إكثار الخبز» تدعونا إلى التأمّل العميق في معنى الخبز كرمز لجسد المسيح، وفي المعنى الروحي لهذا الفعل الذي لا يقتصر فقط على تقديم الطعام للجائعين، بل على تقديم الحياة الحقيقيّة في المسيح لكلّ إنسان في محنته.
من خلال هذه الجداريّة، يدعونا الأب القدّيس صوفيان بوغيو إلى أن نكون أكثر وعياً بواقع العالم من حولنا، وأن نتمثّل في حياتنا اليوميّة الرسالة المسيحيّة التي تعلن حبّ الله للإنسان، والتي تظهر جليّاً في خدمة الآخرين، في مشاركة الطعام والشراب، وفي مساعدة الفقراء والمحتاجين. فإذا كان المسيح قد جاء ليشبع الجائعين ويعزّي الحزانى، فعلينا نحن أن نسير على دربه ونحمل رسالته أينما كنّا.
إنّ الجداريّة، كما هي في مكانها فوق المدخل، تفتح أمامنا باباً آخر للتأمّل والتوبة. فما نراه في الداخل من قدّاس أو سر مقدّس هو تكليل لما يجب أن نعيشه في الخارج: العيش في محبّة المسيح التي لا تحدّها جدران الكنيسة، بل تمتدّ لتشمل كلّ إنسان وكلّ زاوية في حياتنا.