رقاد والدة الإله

"وجاء يسوع"
اعتدنا أن نقرأ في الإنجيل مرارًا: "وجاء يسوع". جاء إلى بيت لحم مولودًا، وجاء إلى الأردن ليعتمد، وجاء إلى بيت عنيا ليقيم لعازر، وجاء إلى أورشليم ليتمّم التدبير الخلاصي، وجاء إلى التلاميذ والأبواب مغلقة. فمجيئه لم يكن انتقالًا من مكان إلى مكان، بل دخول الحياة إلى حيث كان الموت، والنور إلى حيث كانت الظلمة، والخلاص إلى حيث كان الإنسان عاجزًا عن أن يبلغه بنفسه.
لكن في عيد رقاد والدة الإله، لا يخبرنا الإنجيل أن يسوع جاء. بل تخبرنا الأيقونة ذلك.
ففي وسط الرسل الواقفين حول الجسد، لا يكون مركز المشهد النعش، بل المسيح. يقف خلف أمّه، لا ليصنع آية، ولا ليشفي مريضًا، ولا ليقيم ميتًا، بل ليأخذ إليه تلك التي جاء منها إلى العالم. وكأنّ الأيقونة تريد أن تقول إنّ آخر مشاهد حياة العذراء على الأرض يبدأ بالفعل نفسه الذي بدأ به سرّ خلاصنا كلّه:
وجاء يسوع.
لكن هذا المجيء لا يبدأ في الرقاد.
إنه يبدأ في البشارة.
هناك، رتّلت الكنيسة: "اليوم رأس خلاصنا، وإظهار السرّ الذي قبل الدهور." فمنذ تلك اللحظة، لبس الكلمة منها جسدنا، وصار الذي لا تسعه السماوات يسكن في أحشائها، ويأخذ منها ما هو لنا، لكي يعطينا ما هو له.
واليوم...
ينقلب المشهد بجملته.
فالذي لبس منها جسدًا، يأتي ليلبسها عدم الفساد.
والذي دخل إلى عالمنا منها، يأتي ليأخذها إلى حياته.
لذلك لا تقول الكنيسة في العيد إنّها مضت إلى الموت، بل تكتفي بهذه العبارة التي تختصر كلّ شيء:
"...انتقلتِ إلى الحياة."
ليس لأنّ الموت لم يمرّ بها، بل لأنّ الحياة نفسها جاءت إليها.
ومن هنا نفهم لماذا لا ترسم الكنيسة في يدي المسيح نورًا، ولا إكليلًا، بل طفلةً صغيرةً. فالنفس التي خرجت من الجسد تُرسم طفلة، لا لأنّها عادت إلى بداية العمر، بل لأنّ الأيقونة تعيدنا، بصمت، إلى بداية التدبير. فالذي ظهر يومًا طفلًا منها، يحمل اليوم نفسها في صورة طفلةٍ بين يديه. ليست إعادةً للمشهد، بل اكتمالٌ له. فما بدأ يوم لبس الكلمة جسدًا منها، يبلغ كماله يوم يلبسها هو عدم الفساد.
ولذلك، لا يقف المسيح في الأيقونة شاهدًا على الرقاد، بل سيّدًا عليه. حضوره لا يزيّن المشهد، بل يفسّره. فحيث يكون هو، لا يكون الموت نهاية، بل معبرًا. وحيث يأتي هو، لا يبقى القبر الكلمة الأخيرة.
لذلك، لا تختم الكنيسة هذا العيد بالحديث عن الفقد، بل بالحياة. فالتي منها جاء المسيح إلى العالم، لم يتركها حين انتهت أيامها على الأرض، بل جاء إليها هو أيضًا.
وكأنّ سرّ الخلاص كلّه ينغلق بين مجيئين:
في الأول، جاء الكلمة منها، ليلبس جسدنا.
وفي الثاني، جاء الكلمة إليها، ليلبسها عدم الفساد.
"...انتقلتِ إلى الحياة."
فالحياة لم تكن نهاية الطريق...
بل الذي جاء إليها.
واللقاء ... لا يزال غاية الطريق