الأسبوع العظيم مسيرة تصاعديّة نحو الفصح. في كلّ يوم تتكثف المعاني لنشدّ عزمنا ونرتقي روحيًا مع الحمل المذبوح والقائم من بين الاموات. في الواقع إن من يتأمل صلوات الأسبوع العظيم يلاحظ بكل سهولة أن الموضوع الرئيسي لهذا الأسبوع هو «اليقظة الروحية». إنها يقظة مرتبطة بالترقب والانتظار. فنحن نترقب مجيء العريس (الختن) ليدخل خدر القلب.

من هنا نفهم لماذا تردد الكنيسة ترتيلة «ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظا أما الذي يجده متغافلا فهو غير مستحق فانظري يا نفسي ان لا تستغرقي في النوم ويغلق عليكِ خارج الملكوت وتسلمي إلى الموت بل كوني منتبهة صارخة قدوس قدوس قدوس أنت يا الله من أجل جميع قديسيك إرحمنا». كما ونصلّي «إنني أشاهد خدرك مزينًا يا مخلّصي ولست أمتلك لباسًا للدخول إليه فأبهج حلة نفسي يا مانح النور وخلّصني». وعندما تضعنا الكنيسة أمام هذه الأحداث الخلاصيّة تطلب منّا أن نأخذ موقفًا من هذه الأحداث. فالمؤمن لا يقف موقف المتفرّج بل موقف المبادر.

صلاة الختن الأولى تذكّرنا بصنع الثمار عكس التينة اليابسة. في اليوم التالي، أي في صلاة الختن الثانية، تعود وتذكرنا بصنع الثمار وتزيد على ذلك مثل العذارى العشر. كلّنا يعرف هذا المثل كيف أن خمسًا منهن كنّ عاقلاتٍ وخمسًا جاهلاتٍ. ولكننا ننسى كثيرًا أن الحديث في الواقع هو عن الملكوت: «حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى...»

الإنسان هو في مسيرة نحو الملكوت، وقد يبدأ مسيرته الروحيّة مع يسوع مثل تلك العذارى. مهمٌ أن نبدأ المسيرة ولكنّ الأهم أن نستمر في السير نحو الملكوت وأن نعي كيف نبقى متحضرين للوصول إلى الهدف. من هنا تأتي الليتورجيا الأرثوذكسيّة في الأسبوع العظيم منبهةً لنا لنبقى يقظين. ولنتذكّر أن العذارى كلّهن كانوا بانتظار العريس/الختن، وكلّهن نعسن ونمن عندما تأخر العريس. من خلال مثل العذارى العشر تقول الكنيسة لك أن انتبه إلا يجفّ زيتُ مصباحك. المقصود بالتأكيد ليس الزيت العادي. فما هو هذا الزيت؟ ولماذا التشديد على الرقم خمسة في النص؟ لماذا لم يتكلم الربّ عن عذراء عاقلة وأخرى جاهلة؟

القديس يوحنا الذهبي الفم يرى في الرقم خمسة إشارة إلى الحواس الخمس. والزيت إشارة إلى الأعمال الصالحة والمقدّسة التي تميّز الإيمان الحيّ من الميّت. فالمؤمن يقدّم بالروح القدس حواسه مقدّسة للعريس بالإيمان العامل بالمحبّة (غل 5: 6). أما الجاهلات لم يقتنين الزيت المقدّس أي الأعمال الصالحة، الأعمال التي تأتي من حب الرب وعشقه، إنّما حملْنَ إيمانا ميّتًا وعبادات شكليّة.

في الواقع أن ما يحدث مع العذارى يحدث مع كلّ واحد منّا. فهو في العمق ليس بالأمر الجديد، بل اِمتداد لما نمارسه على الأرض. فإن العذارى الحكيمات يتمتّعن بالحياة الداخليّة الجديدة كحياة شركة واتّحاد مع العريس مارسوه على الأرض. أمّا الجاهلات فلا خبرة لهُن بالعريس، وإنما يعشن على الأرض حياة روحيةً ظاهريّة.

فلننتبه لما تعلمنا إياه الكنيسة اليوم: من يريد أن يدخل مع العريس إلى الخدر المقدس، عليه أن يكون قد عرفه على الأرض ورآه في داخله وفي وجه كلّ فقير ومحتاج، عندها يحق له معاينته في الملكوت وجهًا لوجهٍ. أمّا الذي لم يتعقّل ولم يعشق المسيح ولم يره في وجوه أحبائه فلا نعجبنّ من قول الرب له «إني ما أعرفك»، فهو أساسًا لم يدخل معه في شركة حقيقيّة ولا عاين مجده في داخله.

برمانا — الثلاثاء العظيم 2018 — الأب رامي ونّوس