ما أنا عليه اليوم لا يُختصر في سيرتي الذاتية، ولا في خياراتي التي ظننتُها يوماً نابعةً من إرادتي وحدها. ما أنا عليه أشبه بنهرٍ تلقّى مياهه من ينابيعَ لا تُرى، لكنّها تتفجّر في القلب عبر أبوابٍ فُتحت لي بغير استحقاق. ذلك الجزء الأكبر منّي، ذاك الذي يتنفّس، ويؤمن، ويبكي في صلاته، يعود بامتنانٍ لا ينضب إلى رجلٍ واحد: المطران جورج خضر؛ رجلٍ قلبه وفكره مرميّان على الله.
كان باب الكنيسة في بدايتي ضيّقًا وثقيلاً، لكنّ حركةَ الشبيبة الأرثوذكسيّة رفعتْ مصراعَه على اتّساعِ الأفق. بين الاجتماعات ورهبة القدّاس وجدتُ الكنيسة نبضًا حيًّا. في وهج تلك الصحوة، لم يعد سؤالي عن «ماذا نؤمن؟» أصبح «مَن نُحبّ؟».
الكتاب المقدّس، هناك تحديدًا، في رحاب الشبيبة، توقّف عن كونه سِفرًا يُتلى. تحوّلَ إلى مرآةٍ شفّافةٍ، انحسر عنها غبار القرون، فإذا بي أقفُ وجهاً لوجه أمام شخصٍ نابض بالحياة: يسوع الناصري. لم يقدّم لي الكتاب المقدّس عقيدةً باردة، إذ عرّفني على وجهٍ إلهيٍّ بشريّ، على نظراتِ رأفةٍ، وحكاياتِ سمكٍ وخبز، ودموعِ، وصمتِ الجلجلة. كان الأمر كمن يخلعُ عن عينيه غشاوةً، ليرى النور لأوّل مرّة، لكنّ النور كان له ملامح.
ومع ذلك، بقيَ ذلك الوجه المسيحانيّ حلمًا جميلاً، حتى جاءت لحظةُ الرؤيا الثانية، حين رأيتُهُ في وجه المطران جورج خضر.
نعم، رأيتُ المسيح في وجه رجلٍ من لحمٍ ودمٍ، ملامحه محفورةٌ بتجاعيدِ العمر والصلاة. لم يكُن جورج خضر «مترجمًا» للمسيح؛ كان مرآةً لا تشوّه الصورة، بل تجلّيها. حين كان يتحدّث، كنتُ أسمعُ صوتَ الراعي الذي يبحث عن الخروف الضال، وحين كان يصمت، كنتُ أقرأ في عينيه حزنَ النبي على أُمّته وحنانَ الأمّ على طفلها. صار كلّ حرفٍ كتبه، وكلّ همسةٍ في محاضراته، إنجيلاً يُكتب من جديد، بلحمِ زماننا ودمِ همومنا.
لم يعلّمني جورج خضر كيف أكون «مسيحيًّا»؛ علّمني كيف أكون إنساناً. كشفَ لي أنّ لقاءَ المسيح لا يتمّ في المعبد فحسب، بل في وجعِ الأيّام.
أنا مدين له، لا لأنه أعطاني أجوبة جاهزة، بل لأنه علّمني كيف أبحث، كيف أؤمن، وكيف أبقى إنسانًا.
علّمني أنّ الفكر صلاة، وأنّ المحبّة شكلٌ من أشكال المعرفة، وأنّ الكنيسة تفقد معناها إن لم تصبح بيتًا للحرية والرحمة.
اليوم، حين أراجعُ خارطةَ حياتي، أجدُ أنّ بوصلتي تشيرُ إلى ثلاثِ محطّاتٍ لا تنفصم: باب الحركةِ الذي فتحَ عينيّ، وصفحاتِ الإنجيل التي عرّفتني بالحقيقة، ووجهِ جورج خضر الذي جسّدَ تلك الحقيقة وجعلها قابلةً للمس.
شكراً لأنّك جعلتَ المسيحَ قريبًا، وجعلتَ القريبَ إنجيلاً، وجعلتَ الإنجيلِ وجهًا رأيتُه يومًا، ولن يغيبَ عن ناظريّ.