عنصرة الصمت: حين صار للصمت صوت
في تلك الأيّام،
لم يكن ينقص التلاميذ ما يقولونه،
بل كانوا عاجزين عن قوله.
الكلمات كانت فيهم،
لكنها لم تكن تُقال.
رأوا، وسمعوا، ولمسوا،
لكن ما اختبروه بقي في العمق،
كحقيقةٍ لا تزال في الصمت.
لم يكن الصمت فراغًا،
بل امتلاءً لا يُعبَّر عنه.
لم يكن جهلًا،
بل خوفًا من أن يُقال ما لا يُحتمل قوله.
فالصوت لم يكن مفقودًا،
بل غير ممكن.
في العليّة،
لم يكن التلاميذ مجتمعين ليبدأوا،
بل ليبقوا مع ما فيهم،
قبل أن يخرج.
كما في كلّ مرّة،
حيث تُحفَظ الحياة أوّلًا في الخفاء،
في موضعٍ صغير،
بعيدًا عن العيون،
قبل أن تُعطى للعالم؛
في صمتِ رحمٍ،
أو ضيقِ مغارة،
أو عمقِ قبرٍ،
قبل أن تبلغ صوتها.
هناك،
لم يكن الصمت انتظارًا،
بل احتضانًا لما لم يولد بعد.
لم يكن انقطاعًا،
بل امتلاءً لم يبلغ صوته بعد.
وحين تمّت الأيّام،
لم يُعطَ لهم كلامٌ جديد،
بل صار فيهم
ما يجعل الكلام ممكنًا.
لم يخرجوا ليخبروا بما تعلّموا،
بل بما صاروا عليه.
«الروح القدس حلّ عليهم»،
لا ليضيف إلى ما فيهم،
بل ليكشفه،
ليجعله صوتًا،
ليحمله من الداخل إلى العلن.
«أظهرت الصيّادين غزيري الحكمة،
وبهم اصطدت المسكونة»،
لا بقوّة الكلام،
بل لأن ما فيهم
لم يعد يُحتمل صمته.
هكذا،
لم يُكسر الصمت،
بل تكلّم.
لم يُلغَ الخفاء،
بل انفتح.
ولم يبدأ الإعلان من الخارج،
بل من عمقٍ امتلأ
حتى فاض.
في ذلك اليوم،
لم يكن ما قيل جديدًا،
بل الجديد أنّه صار يُقال.
القيامة التي عُيشت في القبر،
صارت تُعلَن في الساحات.
وما كان سرًّا،
صار حياةً تُعطى للجميع.
«بالروح القدس كلّ نفسٍ تُحيا وتتنقّى»،
فتصير قادرة أن تتكلّم،
لا عمّا تعرفه،
بل عمّا تحمله في داخلها.
وكأنّ الكنيسة،
وقد عرفت هذا الصوت،
لا تزال تعود فتطلبه:
«أيّها الملك السماوي، المعزّي، روح الحق، الحاضر في كل مكان والمالئ الكل، كنز الصالحات وواهب الحياة، هلمّ واسكن فينا، وطهّرنا من كل دنس، وخلّص أيها الصالح نفوسنا».
ومنذ ذلك الحين،
لم يعد الصوت حكرًا على أحد،
ولا الإعلان امتيازًا للبعض،
بل صار لكلّ من امتلأ،
أن يتكلّم.
فالعطيّة لم تُعطِ كلامًا،
بل أعطت الجرأة ليُقال
ما كان مخفيًا.
والصمت… صار صوتًا،
والصوت… لا يزال الطريق.
الحياة الروحيّة والأخلاق
عنصرة الصمت: حين صار للصمت صوت
الأب رامي ونّوس · 2026-09-05 · 5 دقائق قراءة
عنصرة، حلول الروح القدس