في مدينة أريحا، تختزل الأزقّة الضيّقة حياةَ الناس في همساتها وتُلقي الشوارعُ المزدحمة بأسرارها بين أقدام المارّة. هناك عاش زكا العشّار. رجلٌ كان يحمل على كتفيه ثقل سمعة سيّئة وسيرة مثقلة بالجشع والظلم. قسمات وجهه القاسية كانت تفضح رحلة طويلة من الغرق في ملذّات السلطة وحبّ المال. عُرف بجباية الضرائب بصرامة جعلت اسمه مرادفًا للقسوة والطمع في المدينة.
ورغم كلّ هذا، كان قلب زكا مكانًا مهجورًا، يبحث بين أطلاله عن سلام مفقود. عاش سنوات طويلة يبرّر لنفسه أفعاله، معتقدًا أنّ المال هو الملاذُ الوحيد. لكنّه، مع تراكم الثروة، فقد كلّ شيء: احترامه لذاته.
وفي أعماق وحدته، بدأ يسمع صدى سؤال داخلي لا يتوقف: «هل من خلاص؟».
ذات يوم، سمع زكا حديثًا في السوق عن رجل يُدعى يسوع. قيل إنّه شافٍ للقلوب ومُحيي للنفوس الميتة. كان الاسم غريبًا على زكا، لكنّه أثار في داخله فضولًا لم يعرفه من قبل. قرّر أن يرى هذا الرجل بنفسه، وكأنّ جزءًا من روحه كان يتوق إلى ملاقاته منذ زمن بعيد.
عندما جاء اليوم المنتظر، مرّ يسوع عبر أريحا. كان الجمع كبيرًا، وزكا، بقصر قامته وثقل خجله، لم يستطع الاقتراب. ولكنّه، بروح تغلبت على جسده، صعد على جميزة ليحظى بنظرة واحدة إلى هذا الرجل العجيب. وبينما هو متخفٍ بين أوراق الشجرة، كما اختبأ آدم قديمًا، جاء صوت يسوع يخترق حُجُبَ قلبه قائلاً: «يا زكا، أسرع وانزل، فاليوم أريد أن أمكث في بيتك.»
توقفت الأرض تحت قدمي زكا. كيف عرف يسوع اسمه؟ وكيف لرجلٍ طاهر أن يرغب في دخول بيتٍ ملوّث بالخطايا؟ لكنّه نزل، مُربكًا، وقد امتلأ قلبه بمزيج من الرهبة والرجاء.
في منزل زكا، جلس يسوع معه. لم يجلس كقاضٍ يُحاكِم. جلس كطبيب يضمّد الجراح. قال له بحنان دون أن يتكلّم: «الخلاص لا يأتي بإلغاء الماضي؛ يأتي بالتغيير الصادق للحاضر.»
اخترقت كلمات يسوع الصامتة أعماق زكا، فتفجّر داخله شعورٌ عارمٌ بالندم والرغبة في التغيير. وعدَ يسوعَ، ومن حوله، بأنّه سيردّ ما أخذه ظلمًا ويُضاعفه للفقراء.
بدأ زكا رحلته الجديدة. لم يكن الأمر سهلًا؛ فالمدينة لم تغفر له بسهولة. كان عليه أن يثبت صدق نواياه بالأفعال. واجه نظرات الازدراء وكلمات الإهانة، لكنّه صمد. عمل بجدٍ ليزرع الخير حيثما نشر الشر. رويدًا رويدًا، بدأ الناس يرون في زكا صورة جديدة، صورة إنسان تغيّر لأنّه أراد أن يستعيد إنسانيته.
هكذا أصبح زكا رمزًا حيًّا لقوّة النعمة الإلهيّة، وأدرك أنّ الخلاص هو ولادة جديدة تبدأ برؤية الذات من خلال أعين الله. لقد اكتشف زكا أن يسوع لم ينظر إليه كما رآه الآخرون، بل كما يمكن أن يكون، وهكذا أعاد له إنسانيتَه المفقودة.
مرّة سقطت أسوار أريحا الوثنيّة على يد يشوع.
واليوم سقطت أسوار وثنيّة قلبِ أريحا-زكا على يد يسوع.