له اسمعوا" (متى ١٧: ٥)"
في جبل ثابور، لا يكشف الرب مجده ليُعجب التلاميذ، ولا ليمنحهم لحظةً يهربون إليها من الصليب. فالتجلّي ليس عيد النظر، بل عيد المعرفة.
هناك، يشرق وجه المسيح كالشمس، وتصير ثيابه بيضاء كالنور، ويظهر موسى وإيليا، ويتحدّثان معه عن خروجه الذي كان عتيدًا أن يكمّله في أورشليم. كلّ شيء يدعو إلى النظر، وكلّ شيء يبدو وكأنّه بلغ ذروة الإعلان.
لكن في اللحظة التي يبلغ فيها النظر غايته، تأتي السحابة.
لا تأتي لتحجب المجد، بل لتحفظه من أن يتحوّل إلى منظر. فالله لا يُعطى ليُمتلك بالنظر، بل ليُعرف بالكلمة. لذلك، لم تكن السحابة يومًا علامة غيابه، بل علامة حضوره. فهي التي ظلّلت جبل سيناء حين نزل الرب ليعطي الشريعة، وملأت خيمة الاجتماع، وملأت هيكل سليمان حتى لم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة، وهي التي ظلّلت العذراء يوم بشّرها الملاك قائلًا: "الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلي تظلّلك" (لوقا ١: ٣٥)، وهي التي ظلّلت التلاميذ على جبل ثابور، وهي أيضًا التي أخذت الرب عن أعينهم يوم صعد إلى السماء: "وأخذته سحابة عن أعينهم" (أعمال ١: ٩).
إنها السحابة نفسها، لا تحجب الله، بل تكشف أنّ حضوره أعظم من أن يُحاط به، وأسمى من أن يُختزل بما تراه العين.
ومن داخل السحابة، لا يخرج نورٌ آخر...
بل يخرج صوت.
"هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت، له اسمعوا."
فبعد أن امتلأت العيون من المجد، يوجّه الآب السمع إلى الابن. فالتجلّي لا يبلغ كماله بالرؤية، بل بالإصغاء. لذلك، لم تكن المشكلة أن بطرس أراد أن يبني ثلاث مظال، بل أنّه ظنّ أنّ المجد هو غاية الطريق، فيما كان الآب يوجّه أنظار الجميع إلى الابن وحده، لا ليُنظر إليه فقط، بل ليُسمع ويُتبع.
ولهذا، لم تنسَ الكنيسة هذا الصوت. ففي كل قداس إلهي، وقبل تلاوة الإنجيل، تهتف: "من أجل أن نكون مستحقين لسماع الإنجيل المقدّس." وكأنّها تعيدنا، في كل مرة، إلى جبل ثابور. فهناك أيضًا، لم يطلب الآب من التلاميذ أن يتأملوا النور فحسب، بل أن يصغوا إلى الكلمة.
وليس من قبيل الصدفة أن يأتي التجلّي قبل الصليب. فالذي يتعلّم أن يسمع الابن على الجبل، يستطيع أن يتبعه إلى الجلجلة. أمّا من يطلب المجد وحده، فسيتعثّر بالمصلوب. لذلك، لم يكن نور ثابور إعلانًا عن مجدٍ منفصل عن الألم، بل كشفًا للمجد الكامن فيه.
وفي نهاية المشهد، لا يبقى موسى، ولا إيليا، ولا السحابة، ولا حتى الصوت.
"ولما رفعوا أعينهم، لم يروا أحدًا إلا يسوع وحده."
وكأنّ كلّ ما سبق لم يكن إلا ليقود إلى هذه اللحظة. فالسحابة جاءت لتُسكت كل صوت، حتى لا يبقى إلا صوت الابن، والنور أشرق، لا ليشدّ الأبصار إلى ذاته، بل ليقودها إلى الشخص الذي ينبغي أن يُتبع.
التجلّي ليس أن ترى نورًا لم يره الآخرون، بل أن تسمع ما يقوله الآب، فتتبع الابن.
ولذلك، كلّما تهتف الكنيسة في القداس: "لنُصغ"، فهي لا تدعونا إلى سماع قراءة جديدة، بل إلى الصعود من جديد إلى جبل ثابور، حيث ما زال صوت الآب يتردّد في الكنيسة إلى اليوم: "هذا هو ابني الحبيب... له اسمعوا."
والإصغاء... لا يزال الطريق.
له اسمعوا" (متى ١٧: ٥)"
Fr. Ramy Wannous · 2026-09-05 · 5 دقائق قراءة
التجلّي، الإصغاء