الصوم، وجهك يا رب

وجهك يا رب أطلب" (مزمور ٢٧: ٨)"
في الصوم الكبير، لا تطلب الكنيسة منّا أن نُغلق أعيننا، بل أن نُطهّر نظرنا. فالصوم ليس انسحابًا من الرؤية، بل مسيرة طويلة يتعلّم فيها الإنسان كيف يطلب الوجه، لا الصورة، وكيف ينتظر الحضور دون أن يصنع له بديلاً.
في بدايته، تضعنا الكنيسة أمام الوجه الذي أُعلن، لا الذي يتخيّله الإنسان. ففي الأحد الأوّل، لا نحتفل بالأيقونة كفنّ أو ذكرى، بل كاعتراف إيمانيّ: الله له وجه، وقد شاء أن يُرى. ليس كلّ ما يُرسم يُعبد، بل ما كُشف لنا يُستقبل، لأن الإيمان لا يقوم على اختراع صورةٍ، بل على قبول الإعلان.
ثم تقودنا الكنيسة، مع كوكب الرأي المستقيم القديس غريغوريوس بالاماس، إلى عمق هذا الإعلان، وتذكّرنا أن الوجه الذي نطلبه لا يُدرَك بجهد العقل، ولا يُمسك بفكرة، بل يُعرَف بنورٍ يُعطى. فالإنسان لا يقف أمام الله كمراقب، بل كمن يُستنار. وهكذا لا يصبح الصوم تمرينًا أخلاقيًا، بل استعدادًا للدخول في نورٍ لا يُحتكر، بل يُشارك.
ومع تقدّم الطريق، يتبدّل المشهد. فالوجه الذي نطلبه لا يبتعد عن الألم، ولا يختبئ من الجرح. في منتصف الصوم، ترفع الكنيسة الصليب، لا لتُشتّت النظر، بل لتثبّته. هناك، حيث يبدو الوجه محجوبًا، يُكشف عمقه. فالمجد لا يُلغى بالصليب، بل يُحفظ فيه.
وبعد ذلك، لا تدعونا الكنيسة إلى رؤيةٍ جديدة، بل إلى مسيرةٍ جديدة. فالوجه لا يُقترب منه دفعة واحدة، بل يُبلغ بالصعود. في تعليم السُلّم، مع القديس يوحنا السلّميّ، تتعلّم العين أن تتحرّر، لا من الأشياء فقط، بل من التعلّق بها. ليس كل ارتفاع اقترابًا، لكن كل تواضع صادق يُنقّي النظر.
وقبيل النهاية، تقف الكنيسة عند امرأة لم يبقَ لها ما تنظر إليه، ولا ما يُنظر إليه فيها. حين تسقط كل الوجوه الأخرى، ويصمت كل الادّعاء، يظهر أن طلب الوجه لم يكن يومًا مكافأة للبارّين، بل رجاءً للأحياء. هناك، في أقصى الفقر، مع القديسة مريم المصريّة، يُطلب الوجه لا ليُرى فقط، بل ليُحبّ.
وهكذا يمرّ الصوم الكبير، لا كطريقٍ ينتهي عند صورة مكتملة، بل كتهيئة للنظر، وانتظار اللقاء. فالوجه الذي نطلبه ليس وجهًا يخضع للموت، ولا يختفي في قبرٍ، بل وجهٌ سيُعلَن حين يصمت الموت نفسه، ويُكشف لمن تعلّم أن ينتظر دون أن يستعجل.
والصوم لم ينتهِ بعد.
والوجه… ما زال يُطلَب.