صارت بعض الأعياد أقرب إلى مهرجانات صاخبة منها إلى احتفالات كنسية. فهل هذا الفرح الذي نراه هو فعلاً من نوع الفرح الإنجيلي؟

أعرف أن كلماتي يجب أن أختارها بدقة، وأني حين أتكلم في هذا الموضوع، كأني أمشي بين حقول ألغام.

فالمسألة ليست بسيطة، لا من حيث الجو العام، ولا من حيث الأشخاص المعنيين. والأصعب أن الحديث هنا لا يدور عن «الآخرين»، بل عن إخوة لي في الجسد الواحد، جسد المسيح، أي الكنيسة.

لهذا، أبدأ بالقول، إن ما أكتبه ليس على الإطلاق اتهامًا لأحد، ولا إدانة لأي من إخوتي. إنما هو تساؤل داخلي، وربما صرخة ضمير.

بل أكثر من ذلك: ما أخطّه هو موجّه لي قبل أن يكون موجهًا لغيري.

ما أحاول التفكير فيه، هو ما نراه مؤخرًا في بعض رعايانا، وخصوصًا بمناسبة عيد شفيع الرعية، ذلك العيد الذي يُفترض به أن يكون محطة روحية، وموعدًا للصلاة والتأمل، وفرصة للتعمّق في حياة هذا الشفيع الذي نحتفل به ونسأله شفاعته.

لكن ما نراه، وبكل محبة وصدق أقول، قد أصبح بعيدًا جدًا عن روحانية المناسبة.

صارت بعض الأعياد أقرب إلى مهرجانات صاخبة منها إلى احتفالات كنسية.

حفلات موسيقية، فرق، مطربون، ألعاب نارية، أصوات تعلو، والمنافسة أحيانًا تكون: من يحضر أكثر؟ من يقدّم عرضًا أقوى؟ من «يبهر» أكثر؟

لا أقول إن الفرح مرفوض. أبدًا! الفرح في المسيح هو من ثمار الروح القدس، ونحن نؤمن أن الكنيسة مكان فرح وقيامة، لا حزن وموت.

لكن، هل هذا الفرح الذي نراه هو فعلاً من نوع الفرح الإنجيلي؟

هل هو الفرح الذي يخاطب القلب ويغذّي النفس؟ أم فرح لحظيّ، سطحيّ، يحمل في طيّاته بذور التسلية والتشتيت؟

هل نحتفل بعيد القديس لأننا نريد فعلاً الاقتداء بحياته؟

هل نحضر القداس الإلهي، أو نقرأ في سيرته، أو نعلّم أولادنا أن هذا العيد هو عن قديس أحبّ المسيح حتى الموت؟

أم نحتفل لأن المناسبة أصبحت «حدثًا إجتماعيًا» أو مناسبة للظهور والجذب والترفيه؟

أنا لا أملك كل الأجوبة.

لكنّ في داخلي سؤالاً كبيرًا لا أستطيع تجاهله: هل نعود، من حيث لا ندري، إلى نوع من الوثنية الجديدة؟

وثنيةٌ لا تُعبد فيها الأصنام الحجرية، بل «أصنام العصر» من شهرة، وضجيج، واستعراض، ونجاح خارجي، وتجميل للواجهة؟

الكنيسة الأولى كانت تحتفل بالشهداء والقديسين بإقامة الذبيحة الإلهية على قبورهم.

كانت الليتورجيا هي محور العيد.

اليوم، هل ما زالت الذبيحة الإلهية هي المركز؟ أم أصبحت ملحقًا للمهرجان؟

وهل أصبح الشفيع، الذي نحمل اسمه، في موقعٍ خلفيّ بعد أن يطغى حضور «النجوم» و«الفنانين» على المضمون الروحي؟

أقول هذا ليس رفضًا للفن أو للموسيقى أو للفرح الحقيقي، بل دعوة لفرز الأمور، وترتيب الأولويات.

فما يُبنى على الطرب لا يُقيم إيمانًا. وما نُقدّمه لأولادنا من محتوى فارغ، سنُحاسب عليه عندما يكبرون على «ديانة احتفالية» تخلو من الجذور والحق.

لذلك، ربما حان الوقت لإعادة النظر.

ربما يمكننا بكل محبة أن نعيد التفكير في توقيت ونوعية الاحتفالات التي تقام.

هل يمكن أن نفصل النشاطات الترفيهية والاجتماعية عن العيد الليتورجيّ؟

أن نقيم مهرجانًا في وقت آخر من السنة، من دون أن نربطه بعيد الشفيع، ونترك للعيد طابعه الروحي والكنسي؟

أن نعيد للعيد معناه، بدل أن نملأه ضجيجًا قد يُبهج لحظة، لكنه لا يُثمر حياةً؟

القديسون لا يحتاجون لمهرجانات كي يُكرَّموا.

هم يطلبون قلوبًا تائبة، ونفوسًا تحبّ المسيح كما أحبّوه، وتعيش كما عاشوا.

وإذا استطعنا أن نحتفل بهم بهذه الروح، عندها فقط يكون الفرح فرحًا حقيقيًا، فرحًا في الرب.