أحيانًا أشعر وكأنّ الزواج لم يعد عند كثيرين ذلك العهد العميق الذي يغيّر شكل الحياة. أعتقدُ أنّه أضحى محطة اجتماعيّة تُضاف إلى سلسلة الإنجازات والصور والمنشورات. يدخل اثنان إلى بيت واحد، لكنّ كلًّا منهما يحمل عالمه المغلق معه، يحتفظ بمفاتيحه السريّة، بعاداته، بأولويّاته الفرديّة، وكأنّ الزواج لم يكن انتقالًا من «أنا» إلى «نحن». كان فقط إقامة مشتركة بين شخصين منفصلين.
وهنا تبدأ المأساة الصامتة.
فالزواج الحقيقيّ ليس حفلة، ولا خاتمًا، ولا صورًا مبهرة تحت الأضواء. الزواج في جوهره هو موتٌ اختياري لجزء من الأنانية داخل الإنسان. ليس موت الشخصيّة. لا وألف لا. إنّه موت التمركز حول الذات. حين يقرر اثنان أن يكملا الطريق معًا، فذلك يعني أنّ كلّ قرار لم يعد فرديًّا، وكلّ تعب لم يعد خاصًّا، وكلّ حلم لم يعد ملكًا لشخص واحد.
لكن ما الذي يحدث اليوم؟
لماذا يعيش البعض بعد الزواج وكأنّ شيئًا لم يتغيّر؟
هو ما يزال يرى نفسه حرًّا من أيّ التزام عاطفي أو أسري، وهي ما تزال تتعامل مع الحياة بمنطق «حياتي أولًا». كلاهما يريد شريكًا يمنحه الحبّ والاهتمام والتضحية، لكن دون أن يقدّم من ذاته شيئًا حقيقيّا بالمقابل. يريدان ثمار الزواج دون أن يتحمّلا مسؤولية جذوره.
لقد أصبحت كلمة «الحرية» عند البعض مرادفًا للهروب من المسؤولية. وصارت التضحية يُنظر إليها وكأنّها ضعف، بينما هي في الحقيقة أعلى درجات النضج. فالحبّ لا يعني أن تجد شخصًا يصفّق لك وأنت كما أنت فقط. هذا خطأ جسيم. الحبّ هو أن تتعلّم معه كيف تُهذّب نفسك، كيف تؤجل رغباتك أحيانًا، وكيف تُفسح مساحة لقلب آخر داخل تفاصيلك اليومية.
المشكلة أنّ كثيرين يدخلون الزواج بعقليّة المستهلك لا بعقليّة «البنّاء». يسألون:
ماذا سأحصل من هذا الزواج؟
ولا يسألون: ماذا سأضيف؟ ماذا سأحمل؟ ماذا/من سأحمي؟
ولهذا تنهار العلاقات بسرعة مخيفة. لأن «الأنا» حين تبقى حيّة داخل الزواج، تتحوّل الحياة إلى صراع خفيّ على السلطة والراحة والاهتمام. يصبح كلّ خلاف معركة كرامة، وكلّ تقصير إهانة شخصيّة، وكلّ تضحية خسارة يجب تعويضها.
أما «النحن»، فهي شيء آخر تمامًا.
«النحن» تعني أن تتألّم حين يتألّم شريكك، حتّى لو كنت مختلفًا معه.
أن تنجحا معًا أو تتعثرا معًا.
أن يصبح البيت مشروع روحَين.
أن يدرك كلّ طرف أنّ الزواج ليس مساحة لأخذ الحب فقط، بل لصناعته كلّ يوم، بالصبر والاحترام والوعي والتنازل.
ولعلّ أخطر ما نعيشه اليوم هو تسطيح معنى الالتزام. فالعالم يروّج لفكرة أنّ الإنسان يجب أن يختار نفسه دائمًا، أن يهرب فورًا من أيّ تعب، وأن يبدّل العلاقات كما يبدّل مزاجه. لكنّ العلاقات العميقة لا تُبنى بهذه الخفّة. الزواج يحتاج أشخاصًا يعرفون أنّ الاستمرار بطولة يوميّة.
إلى المقبلين على الزواج اقول: لا تدخلوا هذه العلاقة وأنتم تبحثون فقط عمّن يحبكم. ادخلوها وأنتم مستعدون لأن تكونوا أهلًا للحبّ نفسه. تعلّموا أنّ الزواج ليس مساحة لإثبات الذات؛ الزواج هو مساحة لتوسيعها حتى تتسع لاثنين.
فأجمل الزيجات ليست تلك التي يخلو فيها الطريق من الخلاف، لا. أجملها هي تلك التي ينتصر فيها «نحن» على «أنا» في كلّ مرة.