كلّما اقتربنا من الماء، اكتشفنا عمق العطش.
ابتداءً من هذا الأحد في الكنيسة الأرثوذكسيّة، لا يعود الحديث عن النور، بل عن الماء؛ عن عطش الإنسان. لا عمّا يُرى، بل عمّا يُحَسّ في الداخل، لأن العطش لا يُعلَن، بل يُعاش، ولا يُقاس بالكلمات، بل بما يتركه من فراغٍ لا يُملأ.
هو عطش المخلّع عند البركة، حيث لم يكن السؤال عن الماء فقط، بل عن الإنسان الذي لا يجد من يرفعه. وهو عطش السامريّة عند البئر، التي جاءت لتستقي ماءً، فعاد بها اللقاء إلى عمقٍ لم تكن تعرفه في نفسها. وهو عطش الأعمى على الطريق، الذي لم يطلب إلا أن يُبصر، لأن العطش في داخله صار ظلمةً لا تُحتمل.
هذا هو عطش الإنسان عند البركة، وعند البئر، وعند الطريق؛ عطشٌ يرافقه في كل موضع، ويكشف أن ما يطلبه ليس ماءً فحسب، بل حياةً أعمق من كل ما يُعطى له سريعًا.
لهذا، يبقى الصوت حاضرًا في العمق:
"إن عطش أحد فليأتي إليّ ويشرب" (يوحنّا ٧: ٣٧).
في كلّ مرّة، كان الماء حاضرًا، لكنّه لم يكن الجواب، بل علامة تشير إلى عطشٍ أعمق، وإلى ماءٍ آخر لا يُؤخذ كحاجة، بل يُعطى كحياة. لذلك لا يقول الرب: من يريد أن يفهم، بل: من يعطش، لأن الطريق لا تبدأ بالمعرفة، بل بالحاجة.
وفي الكنيسة، لا ينتهي هذا النداء. فالماء الذي نزلنا فيه لم يكن نهاية العطش، بل بدايته، لأن من اعتمد لا يخرج ممتلئًا، بل يدخل في عطشٍ جديد؛ عطشٌ يُقدَّس.
وفي كل مرّة تقترب فيها النفس من النعمة، تكتشف أنّها لا تقترب لتكتفي، بل لتُدرك أنّ العطش فيها أعمق من كل ارتواء، وأن ما يُعطى لها لا يُنهيها، بل يفتحها على امتلاءٍ لا يُقاس.
والعطش… لا يزال الطريق.
مقالات
كلّما اقتربنا من الماء، اكتشفنا عمق العطش
الأب رامي ونّوس · 2026-09-05 · 5 دقائق قراءة
الماء- النور- أناجيل البنتكوستاري