(مرقس ١٢: ١٧)
المؤمن مؤتمنٌ على الإخلاص لربّه. الله هو حليفه الذي يُشكّل وإياه حلفًا أبديًّا. ورغم كونه يعتبر السماء موطنه الحقيقي، إلا أنّ هذا لا يُثنيه عن الالتزام بالأرض التي يعيش فيها. لا بل، من حيث جوهر الإيمان، عليه أن يكون الصورة الأمثل للمواطن. المؤمن هو في ثورة مستمرّة لأنّه يبغي خير الناس أجمعين ويسعى من أجل إعلاء كرامتهم. لا يهادن ولا يُساوم الأنظمة ولا أصحاب القرار السياسي متى حكموا زورًا وتخطّوا القوانين. على المؤمن أن يكون مُقلِقًا للحكّام، أو لا يكون مؤمنًا. فالمؤمن، على حدّ قول المطران جورج خضر، «هو هذه الثورة التي تجعل الثورات لا تضيع روحها» (خواطر في الكنيسة والسياسة، لسان الحال/ 21 آب 1966).
من هنا، فإنّ المسيحيّة هي جزء من هذه الحياة على الأرض وليست هروبًا منها. المسيحيّة «الهاربة» من هموم الحياة ليست مسيحيّة. فالمسيحيّة هي مواجهة لحياة أهل الأرض بمحبّة أهل السماء، وعشرة لهم لترتقي بهم وبأرضهم إلى صانع الأرض والسماء. المسيحيّة عملٌ دؤوبٌ لإحلال مشيئة الله «كما في السماء كذلك على الأرض»، كما علّمنا الرب أن نصلّي (متى 6: 9-13). الحياة في المسيح هي ممارسة للإيمان مترجمًا أفعالَ محبّةٍ تُجاه الجميع، وإلا لا تكون مسيحيّة. المسيحيّة هي صرخةُ نبوّةٍ في بريّة هذا العالم. وقول المسيح: «أنتم ملح الأرض، ولكن إن فسُدَ الملح فبمائا يُملّح» (متى 5: 13)، و«أنتم نور العالم» (متى 5: 14)، لا يترك مجالاً للشك في دور أتباع يسوع في الدول التي يعيشون فيها. لا بل فإن عملهم هو نابع من دعوة الله من أجل تحقيق العدالة الإجتماعيّة عند أنبياء العهد القديم مثل أشعيا، وأرمياء، وحزقيال، وعاموس، وغيرهم منم الأنبياء. أمّا إذا حصرنا المسيحيّة في الأمور «الروحيّة» فقط، فنكون قد ضربنا كلّ عملِ الله وكلامه، ونكون، بذلك، قد جمّدنا أيضًا فاعليّة الروح فيها وجعلنا منه سجين أسوارٍ ضيّقة.
من هنا، فإنّ عبارة «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، لا يجب أن تُفهم على أنّها فصلٌ تامٌ بين «الدين والدولة» على مستوى الممارسة، بل بالأحرى على أساس التعاطي مع الدولة، شرط ألا تتناقض هذه المسؤوليّة مع الإيمان والمبادئ الروحيّة. في هذا السياق، يشرح المطران جورج خضر هذه الآية قائلاً: «أمّا قوله: ”أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله“، فيدعونا إلى ذلك الخضوعِ الذي لا خيانةَ فيه لحقوق الله على الدولة، يلقينا في خضوعَين لا تناقضَ بينهما إذا عرفَتِ الدولةُ ذاتها خادمةً مقاصدَ الله في الكون وأهدافَهُ فيها. ولذلك كان المؤمنُ خاضعًا للسلاطِين ومنذرهم بشرعة الربّ، مسالمًا لا مستسلمًا، وديعًا وصارمًا بآنٍ، لطيفًا وناطحًا برأسه السماء، حتّى تصغيَ السماءُ إليه، وترتعدَ الأرض» (خواطر في الكنيسة والسياسة، لسان الحال/ 21 آب 1966).
الكنيسة قائمةٌ في هذا التوتّر البنّاء الدائم مع السلطة والسلطات، كونها لا تخضع إلا لربّها فقط، وتسعى باستمرار لتكون انعكاس نور وجهه في العالم. والعالم, للأسف، كما خبرناه، يُحبّ «الظلمة أكثر من النور» (يوحنّا 3: 20). لا تكتفي الكنيسة بالكلام، فربّها تجسّد، وهي مدعوة مثله لتجسيد كلامها بكلّ الوسائل التي يُمليها عليها ربّها. لا تُهادن أهل السلطة ولا تستجديهم. فهي لا تحني رأسها للحمٍ ودمٍ بل للربّ الذي صار جسدًا. كلّ استرضاء لأصحاب السلطة من شأنه أن يُغيّر قولَ الرب يسوع، ليصبح «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله أيضًا لقيصر». حاشا.