ها قد أتى آب، حاملاً في بدئه صوم العذراء. خمسةَ عشرَ يومًا، كأنها زهراتٌ نقدمها للعذراء مريم، زنبقة النقاء، وأمّ الرجاء.
في هذا الصوم، لا نطلب الطعام، بل نتوقُ إلى الذي «شبِعَ البطنُ به وظمئَ القلبُ إليه»، إلى الذي حملته في أحشائها العذراء، وصار لنا خبزًا حيًّا وشفاء. إنّه زمن النعمة، حين نصير أطفالًا في حضن أمّنا السماوية، نهمس لها: «يا والدة الإله، لا تتوقّفي عن التشفّع من أجلنا».
العذراء لا تغيب عن كنيسة المسيح، هي حارستها بصمت، ورفيقة شهدائها، وأمّ المؤمنين. من الناصرة، إلى مغارة بيت لحم، إلى صليب الجلجلة، ومن علّيّة العنصرة إلى كلّ بيتٍ يرفع فيه طفل يديه قائلًا: «يا عدرا»، ترافقنا العذراء، كأمّ لا تنام.
يا عذراء، في هذا الصوم، خُذينا إلى قلبكِ. علّمينا كيف نصغي، كيف نحيا في طهركِ، كيف نصير خُدامًا بلا ضجيج، ومؤمنين بلا كبرياء. لا نطلب منكِ سوى أن تمسكي بأيدينا عند ضعفنا، وأن تكوني ظلًّا فوق رؤوسنا في زمن العواصف.
آب لكِ، أيتها الممتلئة نعمة. خمسة عشر يومًا، نعلّق فيهم صلواتنا على أهداب ثوبكِ، وننتظر. لأنكِ لا تردّين أحدًا خائبًا، بل تفتحين قلبكِ، وتقولين لكلّ واحدٍ منّا:
«أنا معك، لا تخف. هذا ابني، خذ بيده وامشِ».