القيامة، الفصح، النور

"هلمّوا خذوا نورًا من النور الذي لا يغرب"
في الفصح، لا تحتفل الكنيسة بعودة النور، بل بولادة نورٍ لا يغرب. فالنور الذي نعرفه يأتي ويذهب، يشرق ثم يغرب، يبدّد الظلمة إلى حين، ثم يتركها تعود. أمّا النور الذي يُعطى في الليلة الفصحيّة، فليس من هذا الدهر، ولا يخضع لدورته، بل هو "نورٌ من نورٍ" لا يعرف غروبًا.
"إذ قد بلغنا إلى غروب الشمس وأبصرنا نورًا"، هكذا ترتّل الكنيسة عند كلّ غروبٍ، لا لتصف نهاية النهار، بل لتعلن بداية رؤية أخرى. فحين يصل الإنسان إلى حدود النور الذي يعرفه، هناك يبدأ نورٌ لا ينطفئ. فالغروب لم يعد نهايةً، بل عتبة عبور.
في بدء التكوين، قال الله: "ليكن نور"، فكان نورٌ يفصل بين النور والظلمة. أمّا في القبر، فلا يفصل النور عن الظلمة، بل يدخلها. لا يقف خارجها، ولا ينتظر زوالها، بل ينحدر إلى عمقها. لذلك لا تبقى الظلمة كما كانت، لأن ما دخلها أقوى من أن يُمسك فيها، بل يملأها نورًا، ويخرج منها ساطعًا، كغالبٍ عليها وككاشفٍ لها.
وفي هذه الليلة، لا نُشعل نورًا كأننا نبدأ من جديد، بل نستقبل نورًا يُعطى دون أن ينقص. "هلمّوا خذوا نورًا من النور الذي لا يعتريه مساءٌ، ومجّدوا المسيح القائم من بين الأموات". هذا النور ينتقل من يد إلى يد، من وجه إلى وجه، دون أن يُستنفد، لأن مصدره لا ينضب، ولأنه يشرق في "اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ونبتهج فيه".
"الآن كل شيء امتلأ نورًا: السماء والأرض وما تحت الثرى"، فلا يعود للظلام موضع سيادة، بل يحلّ فيه النور مبدّدًا إيّاه. لم تعد الظلمة غيابًا، بل صارت ممرًّا. لذلك لا تخاف الكنيسة الليل، لأنها عرفت ما يحدث في عمقه.
وفي الأيقونة، لا يظهر النور كضوء يحيط بالمسيح فقط، بل كقوّة تنحدر معه إلى الجحيم. ولا يخرج وحده، بل يمدّ يديه، مقيمًا الذين في الظلمة وظلال الموت، جاذبًا إيّاهم إلى النور الحقيقي وحده، قائلًا: "من يتبعني فلا يمشي في الظلام". هناك، “حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهّد بل حياةٌ لا تفنى”، هناك لا يُنتظر نور، بل يبدأ النور عمله.
الفصح ليس انتقالًا من ظلمة إلى نور فقط، بل دخول النور إلى كل ظلمة، منيرًا إيّاها. لذلك لا يعود السؤال: أين النور؟ بل: هل بقي مكان لا يبلغه النور؟
المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور.
المسيح قام،
والنور… لا يغرب أبدًا.